منظمة الفرنكوفونية والبحث عن الفردوس المفقود

منظمة الفرنكوفونية والبحث عن الفردوس المفقود
التاريخ: Sunday, October 08
الموضوع: من الصحافة العربية


د. محمد قيراط
البيان الاماراتية
عقدت المنظمة الدولية للفرنكوفونية قمتها الحادية عشرة لأول مرة في تاريخها في القارة الأوروبية وفي دولة من أوروبا الشرقية في غياب القيادات العربية وفي ظروف دولية تميزها الصراعات الدائرة في دارفور وساحل العاج والتشاد وتداعيات اغتيال الحريري والاعتداء الصهيوني على لبنان والحرب على الإرهاب وأزمة العراق وأفغانستان.



   
أما داخليا فالأوضاع تميزها أعمال الشغب والمظاهرات التي قام بها أبناء الجاليات الأجنبية والمهاجرون المقيمون في فرنسا والذين يعانون الفقر والتهميش والعنصرية والإقصاء، كما لا ننسى إشكالية تمجيد الاستعمار التي أثارت حفيظة العديد من الدول التي عانت ويلات الاستعمار الفرنسي سواء من حيث الضحايا البشرية أو الخسائر المادية والمعنوية والتي لا تقدر بثمن.
كما تعيش فرنسا هذه الأيام أجواء التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة والجدل القائم حول المهاجرين وإشكالية تسوية أوضاعهم أو تسفيرهم إلى بلدانهم الأصلية، إضافة إلى مشكلة الهجرة غير الشرعية وكيفية تسويتها. فرنسا تدرك تدهور نفوذها اللغوي والحضاري والثقافي والاقتصادي والسياسي لصالح الولايات المتحدة الأميركية ولصالح اللغة الإنجليزية.
فبالنسبة لشيراك تعتبر هذه القمة ردا للاعتبار ومحاولة فتح المنظمة على الجوانب السياسية والاقتصادية حتى تصبح أكثر فاعلية وتستطيع أن تكون قوة ضغط تجد لها مكانة في السياسة الدولية وفي دوائر صناعة القرار العالمية.. لقد حاصرت لغة شكسبير لغة فولتير في عقر دارها،
 حيث أصبح العلماء والباحثون الفرنسيون ينشرون في مجلات علمية محكمة تصدر بالإنجليزية لا لشيء إلا لأن النشر في غير هذه المجلات الإنجليزية لا يعني شيئا من الناحية العلمية حيث عدم الانتشار وعدم الإقبال على ما هو مكتوب بغير الإنجليزية، الحاجز اللغوي. لقد عانت فرنسا الكثير من حصار اللغة الإنجليزية لها وبذل الوزير السابق للثقافة والسياسي المحنك جاك لانج قصارى جهوده لحماية اللغة الفرنسية بإصدار قوانين وتشريعات تمنع استعمال الكلمات والمصطلحات الإنجليزية التي طغت على الشارع الفرنسي.
كما قامت فرنسا في العديد من المرات بإصدار قوانين وتشريعات للوسائل الإعلامية المختلفة وخاصة الإلكترونية منها بالالتزام ببث ما لا تقل نسبته عن 60% من الإنتاج الثقافي الفرنسي سواء كان هذا الإنتاج أغاني أم أفلاما أم دراما أم غير ذلك. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل تستطيع القوانين والتشريعات أن تقف أمام العولمة والمد الثقافي الأميركي المتواصل؟
 منذ فقدت فرنسا مستعمراتها في الخمسينات والستينات لم تستطع أن توقف التراجع المذهل الذي مُنيت به خاصة وأنها على الصعيد التكنولوجي والعلمي لم تستطع أن تنافس المد الأنجلوساكسوني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. فقوة اللغة يحددها عاملان اثنان التفوق التكنولوجي ( الجامعات، مراكز البحوث والدراسات، البحث العلمي، الصناعات الثقافية، الصناعات الإعلامية وانتشار وسائل الإعلام والوسائط الاتصالية المختلفة) أما العامل الثاني فيتمثل في النفوذ الاقتصادي والسياسي.
فكثير من المستعمرات الفرنسية توّجهت نحو العالم الأنجلوساكسوني ونحو المساعدات الأميركية للبحث عن التعاون التكنولوجي والعلمي مهملة أو متناسية فرنسا. وهكذا أخذت أميركا نصيبا لا يُستهان به من النفوذ الفرنسي وبسطت ثقافتها وصناعاتها على الكثير من الدول النامية والحديثة الاستقلال خاصة في إفريقيا والهند الصينية.
والعامل الثاني الذي ساعد الأميركيين على الانتشار في المستعمرات الفرنسية السابقة وفي غيرها هو التبادل والتعاون في إطار التعليم العالي والبحث العلمي، حيث أن العدد الهائل للجامعات والمعاهد العليا الأميركية ( أكثر من 5000) وكذلك مراكز البحوث والدراسات الاستشرافية والاستراتيجية والمستقبلية استقطب الكثير من النخب المثقفة وغيرها من المفكرين والباحثين والعلماء والطلاب الذين كانوا حتى وقت قريب يتوجهون إلى باريس ويعتزون بالفرنكوفونية،
لكنهم بانفتاحهم على العالم الجديد اكتشفوا قوة الإنجليزية كلغة العصر ولغة البحث العلمي وأدركوا حدود اللغة الفرنسية،وهذا الجيل الجديد من «الأنجلوفون» أصبح يرّوج لثقافة العم سام ولغته، وأصبح يتقرب أكثر فأكثر من الثقافة الأميركية والتفكير الأميركي والرؤية الأميركية خاصة جيل خريجي الجامعات الأميركية.
لقد أدت العولمة إلى انتشار الثقافة الأميركية عبر الصناعات الثقافية والصناعات الإعلامية ووسائل الاتصال الجماهيري وانتشارها في العالم أدى إلى تقلص الفرنكوفونية وفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الأنجلوساكسوني. أضف إلى ذلك أن بعض المستعمرات الفرنسية السابقة أخذت موقفا سلبيا من اللغة الفرنسية ومن الفرنكوفونية كمنظمة وكتجمع يضم عدداً من الدول يكون قاسمها المشترك اللغة الفرنسية.
و هكذا تراجعت اللغة الفرنسية داخل المستعمرات الفرنسية السابقة سواء لمصلحة اللغة الأم أو لصالح اللغة الإنجليزية. والغريب في الأمر أن من بين الدول 72 التي حضرت القمة الحادية عشرة للفرنكوفونية التي انعقدت في عاصمة رومانيا بوخارست مؤخرا نجد أن نسبة كبيرة من هذه الدول لا علاقة لها باللغة الفرنسية ولا يتكلم سكانها اللغة الفرنسية على الإطلاق .
وإذا أخذنا رومانيا البلد الذي احتضن القمة الأخيرة للفرنكوفونية نجد أن استعمال اللغة الفرنسية في هذا البلد لا يكاد يذكر واستعمالها وتدريسها للغة الفرنسية محدود جدا. وهذا يعني أن المنافسة بين الفرنكوفونية والأنجلوفونية غير متكافئة وأن فرنسا بعيدة كل البعد عن استرجاع المجد والفردوس المفقود.
تراجع الفرنكوفونية على الصعيد العالمي يرجع إلى عدة أسباب منها خروج فرنسا من مستعمراتها وعدم قدرتها على المحافظة على علاقات متكافئة تقوم على الاحترام المتبادل بين الطرفين. من جهة أخرى نلاحظ أن الاقتصاد العالمي تسيطر عليه شركات متعددة الجنسيات وقوى فاعلة تتعامل باللغة الإنجليزية في الأوساط التجارية العالمية وفي البورصات والمحافل الدولية.  لغة الاقتصاد والسياسة في العالم أصبحت اللغة الإنجليزية بدون منازع ومن يملك التكنولوجا والاقتصاد والنفوذ السياسي يملك اللغة التي تفرض نفسها على العالم. وهكذا وجدت فرنسا نفسها تتراجع لغويا سنة بعد سنة وأصبح رئيسها شيراك يحاور الصحفي الأميركي المشهور لاري كينغ في برنامجه «لاري كينغ لايف» باللغة الإنجليزية بكل فخر واعتزاز وهو لا يدري أنه بهذا الموقف أكد انهزامه واستسلامه للغة شكسبير، الشيء الذي أثار استياء وحفيظة الفرنسيين المتمسكين بكبريائهم الفرنكوفوني وغضبهم على رئيسهم الذي فضّل الكلام بالإنجليزية على الفرنسية، وتساءلوا لو كان الأمر يتعلق بحوار الصحافي «جورج الكباش» مع الرئيس بوش لأختلف الوضع تماما حيث أن الرئيس الأميركي يتشبث بلغته ويعتز ويفتخر بها.
تنفق فرنسا سنويا مئات الملايين من الدولارات لنشر الفرنسية والفرنكوفونية في أكثر من 134 دولة عبر العالم وهذا انطلاقا من مبدأ أن «من يتكلم الفرنسية يفكر فرنسياً ويأكل فرنسياً ويلبس فرنسياً». وعبر المراكز الثقافية الفرنسية تحاول فرنسا أن تنشر الثقافة والقيم الفرنسية وهذا عن طريق توفير أخر الكتب والأعمال المنشورة لكبار المفكرين الفرنسيين ناهيك عن الأفلام والأشرطة والأغاني والجرائد والمجلات الفرنسية، وتنظيم المحاضرات وغير ذلك من النشاطات الثقافية. ولتدعيم دور هذه المراكز تحاول فرنسا كذلك أن توّطد علاقاتها مع دول المنظمة الفرنكوفونية لإرساء بناء مؤسساتي قوي تعوّل عليه في بسط نفوذها وتقديم مساعداتها المختلفة ولعب دور رئيسي في تسوية النزاعات بين الأعضاء وكذلك العمل في إطار المنظمة الفرنكوفونية على مستوى المنظمات الإقليمية ومنظمة الأمم المتحدة.
ورغم الشبكة الكبيرة من المراكز الثقافية- 1056 مركزاً ثقافياً فرنسياً - عبر 134 دولة في العالم فإن اللغة الفرنسية لم تستطع أن تفرض نفسها في الكثير من الدول التي تدّعي أنها فرنكوفونية وأصبحت النخب الثقافية في المستعمرات القديمة لفرنسا وفي باقي دول العالم الثالث تتسابق على تعلم اللغة الإنجليزية،
لغة الكمبيوتر والإنترنت والمعلوماتية والبحث العلمي والاختراعات والجامعات التي تخصص مليارات الدولارات للبحث العلمي . وأصبحت النخب الثقافية في العالم الثالث تتسابق على الجامعات الأميركية لطلب العلم والمعرفة والاستفادة من مراكز الأبحاث العديدة والمختلفة وكذلك استغلال إمكانيات تمويل البحوث والدراسات، الأمر الذي يتعذر الحصول عليه في دولة مثل فرنسا.
أصبحت اللغة الإنجليزية لغة العلم والمعرفة ولغة البحث العلمي والدراسات الاستشرافية والاستراتيجية على المستوى العالمي ؛ كما أصبحت لغة التجارة الدولية، ولغة الإنترنت والمعلوماتية. ولهذا أصبحت المراكز الثقافية الفرنسية تحفا للتاريخ والمجد والتغني بالأشعار المختلفة الأمر الذي جعلها مشلولة لا تستطيع أن توقف الانهيار البطيء والمستمر لمعاقل الفرنكوفونية عبر العالم.
فاللغة الفرنسية اليوم أصبحت محاصرة في إفريقيا، لها حضور ضئيل على شبكة الإنترنت، وتصارع من أجل الحياة في الهند الصينية. وحتى الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للفرنكوفونية نجد أن نسبة كبيرة من سكانها لا تستعمل اللغة الفرنسية كلغة رسمية في البلاد. فباستثناء فرنسا والسنغال وساحل العاج والكونغو - الدول التي تتكلم اللغة الفرنسية وتعتمدها رسميا- فإن باقي دول المنظمة علاقتها باللغة الفرنسية محدودة جدا ولا تكاد تذكر.
إلى أي مدى ستنجح فرنسا في إنشاء لوبي عالمي ودولي تواجه من خلاله الحلف الأنجلوساكسوني والمتمثل في الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها بريطانيا ومن لف في محورهما؟ وإلى أي مدى تستطيع الفرنكوفونية أن تتحدى الإنترنت والثورة المعلوماتية والعولمة التي تراهن عليها أميركا وتكسب المنافسة مع الطوفان الأنجلوساكسوني؟
المهمة معقدة وصعبة ولا تقتصر على مسألة اللغة فقط وإنما هنالك رهانات أخرى لا تقل أهمية مثل الاقتصاد والسياسة وصناعة المعرفة والثقافة والمعلومات.المنافسة شديدة وحظوظ فرنسا في استرجاع أمجادها وفردوسها المفقود محدودة كما أن سياسة فرنسا إزاء الجاليات الأجنبية المتواجدة على أراضيها وكذلك سياستها إزاء المهاجرين تتناقض جملة وتفصيلا مع سياسة الاندماج التي تحاول تحقيقها من خلال هذا الكيان اللغوي.
 ففرنسا تطالب بالاستثناء الثقافي والتنوع الثقافي وفي نفس الوقت تستثني الآخر من الحق في التمتع بهويته وبحقوقه على الأراضي الفرنسية. فأحداث الشغب التي شهدتها ضواحي باريس العام الماضي وقضية تمجيد الاستعمار والتغني بإيجابيته وما حققه للمستعمرات نقاط سوداء في سجل فرنسا في تعاملها مع مستعمراتها ومع الآخر بصفة عامة،
فكيف تستطيع فرنسا أن تتحالف مع الآخر لمواجهة اللوبيهات والقوى الفاعلة في النظام العالمي؟ وكيف يطالب شيراك باعتراف تركيا بالمجازر التي ارتكبتها في أرمينيا ويتناسى المجازر التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر وفي باقي مستعمراتها؟

أتى هذا الخبر من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.com/

عنوان الرابط لهذا الخبر هو:
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=20479

Comments

Popular posts from this blog

تعدد اللغات والعولمة: دراسة في صراع اللغة العربية مع اللغتين ( الانجليزية والفرنسية)في إفريقيا

تعدد اللغات مفهومه وأنواعه وقضاياه

عوامل تعدد اللغات في أفريقيا جنوب الصحراء